معنى التوبة

إخوة الإيمان ما أحوجنا إلى الإخلاص وقبل الإخلاص ما أحوجنا إلى التوبة النصوحة ، فكان النبي ﷺ في مجلسه وهو يُعلم يُسمع منه أكثر من مئة مرة استغفر الله العظيم وأتوب إليه ، فما أحوجنا إلى التوبة منه ﷺ وهو المعلم الأول الذي غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، و دأبنا الصالح رضي الله عنهم البعض منهم كان يمشي حافياً وعندما يُسأل يقول :(صالحني ربي حافياً وسأبقى حافياً) وسُميَّ ولقبَ ببشر الحافي ، فكان كان على المعاصي حتى مرّ بعض العلماء العارفين من أهل الله من جوار بيته وسمع الغناء وسمع الأشياء التي تُغضب وجه الله سبحانه وتعالى ، فسأل تلك العارف بالله العبد الذي كان واقفاً عند بيته ، هذه الدار لسيد أم لعبد….؟ فقال له العبد لا بل لسيد ، فقال الرجل الصالح إن كان لسيد فليس لنا معه حاجة وذهب تلك العارف بالله ، فجاء العبد وأخبر صاحب البيت وهو بشر الحافي ، فقال له يا سيدي مرّ العالم الفلاني وسألني أهذه دار لعبد أم لسيد…؟ فقلت له دارُ سيد ، فوقع تلك السؤال في نفسه ، متعجباً من الأمر وهو يحدّث نفسه ويسألها لماذا يسأل عني ذلك العالم على الرغم من معرفته لي وعلمُه بداري أيضاً ومعرفته بأسمي كذلك ، وحدثته نفسه أن خلف هذا السؤال سرٌ عظيم ، فقال للعبد سامحك الله أيها العبد ، لماذا قلتَ دار سيد….؟ فكلنا عبيد لله يا ولدي ، وخرج يركض من غير أن يرتدي في قدميه شيئاً وهو يركض حافياً خلف العالم حتى أخذ برداءه وهو يقول أنا عبد ، و داري التي سألت عنها أنا بصاحبها ، وأنا عبدٌ وليس بسيد ، فقال له العارف بالله يا ولدي :(إن كنت عبدً فهذا ليس صنيع العبيد ، العبدُ وما يملك لسيده ، العبدُ طائع لله وليس بعاصي ، فإن كنت عبد حقيقياً أراني نفسك في مجالس العلم) ، فقال بشر الحافي : (لك هذا يا سيدي ، اعتبرني مريد منذ الآن) ، ورجع إلى بيته وغيّرَ المنكر تماماً وأخبرهم أن هذا البيت لا يمكن أن يعود إليه المعصية بعد الآن حتى أصبح من كبار العلماء وهو يسير حافياً وعندما سُأل رضي الله عنه قال :(صالحني ربي وأنا حافي وسأبقى حافياً) فهذه صفة أجدادنا وآباءنا الأولين ، عندما كان أحدهم يرتكب ذنباً بكلمة واحدة من العالم يتغير ويستقيم ، متى سوف نقتدي بأجدادنا وآباءنا ، حادثةٌ آخرى مع الفضيل بن عياض كذلك كان من قُطاع الطريق وخاصةً طريق الحجاج والمعتمرين حتى نزل يوماً من الأيام على بيت يريد السرقة ، فسمع صاحب البيت يصلي في أرضِ دياره ويقرأ من سورة الحديد : ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)) .
فلما سمعَ ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ)) ، قال : بلى آن الأوان يا الله ، انظروا كيف سمع القرآن له ، فهل أنت من الذين يسمعون القرآن يُتلى عليهم أم أنه يُتلى لغيرك…؟ عندما تقرأ بقوله تعالى :((أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)) ، ألَا يستوجب عليك أن تبحث في نفسك إن كنت من الظالمين…؟ ، وتسأل نفسك إن كانت لك حصة من هذه اللعنة…؟ قف عند قوله تعالى : ((فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)) ، واسأل الله إن كان لك حصة من هذه الآية ، وانظر إلى قلبك فإن كان قلبك قاسي عندها يكون لك حصة من هذه الآية وإن قلبك ليّن فليس لك حصةٌ منها ، حاسب نفسك يا بُني عند قوله تعالى :((وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)) ، وانظر إن كان لك نصيب بالمطففين ، فليس المطففين الذين يطففون المكيال فقط ، تكون من المطففين أيضاً ، إن كنت من الذين عندما تريد الشراء تملأ الوعاء زيادة أما عندما تريد البيع تُنقص منه بعض الشيء ، وأيضاً عندما يريد أن يتدين يملأ زيادة للحد الأقصى أما عندما يريدُ سدَّ الدين يملأه أنقص مما أخذ ، وأيضاً حال المطفف الذي عندما يُسلم يريد من الناس أن يردوا عليه السلام من أجمل ما يكون وأما عندما يسلم عليه الناس يردد أهلن… اهلن… من غير مبالة ، لماذا لا تقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته مع الابتسامة في وجه اخيك ، دخل على النبي رجلاً وقال :(السلام عليكم) ، فَرَدَّ عليه النبي ﷺ وقال :(وعليكم السلام عَشْرٌ) ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ:(السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحْمَةُ اللهِ) ، فَرَدَّ النبي ﷺ بقوله :(وعَلَيكُم السَّلامُ وَرَحْمَةُ الله عِشْرون) ،ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه، فَرَدَّ عليهِ النبي ﷺ :(وَعَلَيكُم السَّلامُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه ثَلاثُونَ) ، فقالوا يا رسول ما سمعنا قبل الآن عَشْر، عِشْرون ، ثَلاثُون ما هذا..؟ فقال النبي ﷺ :(أما الأول قال : السلام عليكم فكانت حصته من الأجر عشرُ حسنات وأما الثاني قال : السلام عليكم ورحمة الله فكان له من الأجر عشرون حسنة وأما الثالث فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فكان له من الأجر ثَلاثُون) ، فالقصد ليس المطففين فقط بالمكيال ، فهناك من المطففين بالسلام أيضاً ، فإذا نظرتَ نظرة مع ابتسامة لإحدهم ونظرة من غير ابتسامة للآخر فأنت من المطففين ، يجب عليك أن تبتسم للإثنين معاً إن كانوا أصدقائك ، أما إذا كان أحدهم عاصي لله فإنه من المسموح لك بعدم الابتسام في وجهه
ولنرجع إلى قصة الفضيل بن عياض ، فعندما سمع قوله تعالى : ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) ، أي ألم يآن الأوان أيها الإنسان أن تتوب وترجع إلى الله…؟ فالفضيل سمع الآية وكأن رب العزة يخاطب الفضيل بذاته ، فقال بلى آن الأوان وبدل من أن ينزل إلى البيت ليسرق منه تراجع وانتهى عن السرقة وتاب ولزِمَ العلماء ومن كثرة صدقه أصبح خليفة شيخهِ ، فكان هارون الرشيد عندما يضيق صدره لا يشعر بالراحة إلا عند الذهاب إلى الفضيل ، فكان يجلس عنده ويسهر معه ويسمع من كلامه ، فيا إخواننا معنى التوبة أي يجب أن نغير في أخلاقنا وعادتنا الرذيلة ولا نقول : أنا هذه عادتي، وترى الآخر يملك خصلة المتكبر والمتعالي على الناس ، وهذا يقول ليس لدي المقدرة على ترك السيجارة ، أين التوبة يا بُني ، الملائكة التي على أكتافك يتأذون من رائحتها وأيضاً أصحابك وأصدقائك الذين من حولك الغير مدخنين يتأثرون من رائحة دخانك وتضيق نفوسهم و أرواحهم تكاد أن تخرج من شدة الضيق ، فالمدخن عندما ينتهي عن التدخين ويتفضل الله عليه بالتوبة ويتعافى صدره فعندما يجلس أحد إلى جانبه وهو يُدخن ويتسبب له بالانزعاج ويضيق عليه صدره فيطلب من المدخن أن يطفئ السيجارة ، فارجع إلى نفسك وتذكر كم كنت تؤذي الناس من حولك قبل تتوب ، فإذاً يجب علينا أن نتوب من كل ذنب ، عندما نعطي أيدينا للمعلم لنتخلص من كل مطب يوجد فيه الأوساخ والقمامة ونعلو معه إلى القمم إن صحبنا أهل الهمم ، وإذا لم نعطي أيدينا لأهل الهمم سنبقى بالرِمم أي سوف نبقى في القمامة ونبقى في أسفل الوديان التي تسيل فيها المجاري يقول النبي ﷺ :(مثلي ومثلُكم كمثلِ رجلٍ أوقدَ نارًا ، فجعل الفراشُ ، والجنادِبُ يقعْنَ فيها ، وهو يذُبُّهُنَّ عنها ، وأنا آخُذُ بحُجْزِكُمْ عنِ النارِ ، وأنتم تفْلِتونَ مِنْ يَدَيْ) . كمثل أحدهم في بعض أحيان عندما يريد أن يوقد النار في البرية وخاصةً في الليل ، ما يلبث الفراش والجنادب أن يرمي بنفسه في النار ، ومعنى كلمة (يذُبُّهُنَّ) أي يجعلهم يتطايرون لإنه لا يريد أن يُوقع بهم في النار ، ومعنى (وأنا آخُذُ بحُجْزِكُمْ) أي أنتم تريدون أن ترموا بأنفسكم في نار جهنم وأنا آخذ بزناركم ، ومعنى الحجز أي الزنار عندما يرتدي الرجل البنطال فالزنار هو ما يجعل البنطال يُحزمه خشية وقوعه ، فالقصد هنا أي أن الشيخ يريد أن يخلصك من السيجارة التي أضرارها لا تعد ولا تحصى ، أولاً توصلك للتبذير عندما تحرق أموالك لقوله تعالى :((إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)) ، ياليت الأمر اقتصر على حرق أموالك فحسب فعندما ترى شخص يحرق أمواله في النار فترى المجتمع ينظر إليه بأنه أُصيب بالجنون فما بالك بالذي يحرقها ويضعها على جسده ، أيُ بلاء هذا…؟ ناهيك عن الأمراض التي تصيب الرئتين فكثير ما نسمع أُناس برئة واحدة فقط ، وكثير ما نسمع عن اُناس قاموا باستئصال حنجرتهِ و ذهب الصوت لديهم بسبب إلتهاب الحنجرة من التدخين إلى ما هناك من البلاء والأمراض التي تنتشر في أنحاء الجسم ، فترى أعدائنا عندما يصنعون التدخين يحذرون منه بكتابتهم عليه: (احذوا التدخين فإنه مضر بالصحة ) .ونحنا لا نفقه ولا ندرك ولا نفهم ما يُكتب ، ولا نسمع من مشايخنا ولا نفهم من قرآننا شيئاً ، فترى كثير من الناس يقوم بوضع الدخان في بيته كما يضع المونة من خبز والطحين والرز والسمنة وغيرها إلى ما هنالك مما يلزم البيت ، أرجو من الله أن لا يكون أحد منكم من المدخنين ولكنني أعلمكم لكي تعلموا غيركم ، فإن الله لم يأتي بكم إلى رياض الجنة إلا من أجل أن يُنقيكم ويصطفيكم من بين الخلائق ، فيا بني هذا المجلس هو جلسة من رياض الجنة فالنبي ﷺ يشهد لطالب العلم إنه في رياض الجنة لقوله ﷺ :(إذا مررتم في رياض الجنة فارتعوا ، قالوا ما رياض الجنة يا رسول الله…؟ فقال مجالس العلم ومجالس الذكر ، قالوا يا رسول الله وما الرتع…؟ فقال النبي ﷺ عندما يدخل الحصان الجائع إلى بستان من الحشائش والنَفَلْ تكون ما يقارب طولها نصف متر من الحشيش الأخضر فهذا الحصان الجائع متى يرفع رأسه …؟ فقالوا لا يرفع رأسه حتى يشبع ، فقال النبي ﷺ إذن هذا الحصان يرتع فهو غير متفرغ ليرفع رأسه وينظر من حوله وعن يمينه وعن شماله جعل رأسه في الحشيش ولن يرفع رأسه حتى يأكل من هذا الطعام اللذيذ ويشبع ، فقالوا يا رسول الله وما غنيمة مجلس العلم …؟ قال غنيمة مجلس العلم المغفرة ) ، أي أن الله يجعل لك الحمام من الذنوب ويكمل لك التوبة ويطهرك كالأم عندما تحمم طفها ماذا تصنع له بعد استحمام….؟ تلبسه الثياب الجميلة والنظيفة ، والله أيضاً يلبسنا كذلك الحُلل ، ولباس التقوى لقوله تعالى :((يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ )) ،إذن هل هناك لباس للتقوى…؟ نعم يوجد لباس للتقوى ويوجد طعام للتقوى أيضاً لقوله تعالى :((وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)) ، وأنت أيضاً يا طالب العلم إذا دخلت إلى مجلس العلم لا تنتظر الخروج منه أبداً وتمنى أن يطول المجلس لإن عدّاد الأجر العظيم وعدّاد رضاء الله يعمل ، إذاً مجالس العلم ومجالس الذكر روضة من رياض الجنة فترى أحدهم يسافر ويقطع المسافات الطويلة ويضع الأجرة الكثيرة ويحجز الفنادق من أجل أن يصلي ركعتين في الروضة الشريفة بجوار الحبيب ﷺ فأنتم الآن يابُني في روضة لإن مجلس العلم روضة ومجلس الذكر روضة من رياض الجنة ، إذا نحنُ محتاجين إلى التوبة النصوح والله لم يقل:( يا أيها الذين كفروا توبوا إلى الله توبةً نصوحا بل إن الله عزوجل قال :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا)) ، هذا النور لا تخسره يا بُني بالمعاصي والغفلة وصحبة غير الصالحين لإن الله مّنَّ عليك بمجالس العلم لإن مجلس العلم غنيمته المغفرة ويُلبسك من حلل التقوى ، فعندما ترجع إلى المشحمجي وتحضنهُ فإن ثوبكَ الأبيض الذي ترتديه كيف سوف يصبح…؟ سوف يظهر على ثوبك الأوساخ في أعين الناس أكثر من المشحمجي الذي يرتدي ثياب مُتسخة لإن المشحمجي يظهر عليه التلوث فلا أحد ينظر إليه أما أنت ثوبك أبيض و ملوث من الزيوت والشحوم وغيرها من الأوساخ ، سوف تصبح مضحكة بين الناس ، فحافظوا على نظافتكم و أجعلوا نواياكم أنكم لن تخرجوا من هذه الدنيا حتى تنشروا العلم والمحبة والإخاء بين الناس وتوصلوا القلوب بالله حتى يتذوقون طعمة الإيمان ويستقيموا ويتركوا النقائص وينتهوا عن المعاصي ويتخلصوا من غفلاتهم ويكونوا ذاكرين جلساء لله لقوله تعالى في الحديث القدسي :(أنا جليسُ من ذكرني) ، هل هناك أعز من هذا المجلس ….؟ فعندما تُجالس إنسان من علّيّة القوم فإنك تتحدث عن هذه المجالسة أينما جلست وتفتخر بمجالسة ذلك الإنسان ذو الرتبة الرفيعة ، فكيف عندما تكون جليس لله أيُ فخراً وأيُ عزٍ عندما تجالس رب العزة….؟ هل تعلم أنك تجالس رسول ﷺ في الحضرة مع الأولياء والصالحين …؟ هل تعلم لماذا سُميتْ بالحضرة …؟ لإنه ليس أياً يكن يمكنه الدخول إليها ، أي أنها محظورة على اُناس و اُناس ، فسُميت بالحضرة لإنها محظورة عن كثير من الناس ، فمن كان في الدنيا يجالس فهو من أهل الحضرة و هذا الذي يمكنه الدخول إليها ، أما من كان غافل فهو ليس من أهل الحضرة ، فالقصد هنا يجب علينا أن لا نرمي أنفسنا كالفراش و الجنادِبُ في النار ، هل تعلم لماذا الفراش يرمي بنفسه في النار عندما تُوقَّدْ …؟ لإنها ترى النار وكأنها طاقة تريد الدخول منها والخروج ، فتنظر إليها وكأنها ضوء عندما تكون في حجرة مظلمة وترى شيء ما يضيء و تريد الخروج منه للفضاء فتقع في النار وتحترق ، هناك توبة وهناك أوبة وهناك إنابة ، فالتوبة تكون للمؤمنين لقوله تعالى :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا)) . والإنابة للأولياء المقربين لقوله تعالى :((وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ)) . والأوبة تكون للأنبياء والمرسلين لقوله سبحانه و تعالى عن سيدنا داود عليه السلام في القرآن الكريم :((نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )) .و أوحى الله إلى سيدنا داود عليه السلام في حديث قدسي بقوله 🙁 يا داود لو يعلم المدبرون عني انتظاري لهم ، ورفقي بهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم لمحبتي ، يا داود هذه إرادتي بالمدبرين عني فكيف بالمقبلين علي….؟) .فإن رب العزة ينتظر منا أن نتوب ، وهو مشتاق لإن نترك المعاصي ، أليس من الواجب عليك أن تُفرح رب العزة بتوبتك وبتركك للغفلة وبتركك للنظر الحرام وتركك أيضاً للغو والكلام الفارغ الذي لا جدوى منه فإن ذلك من صفة المؤمنين لقوله تعالى :((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُم ْعَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)) . فاللغو جاء بعد الصلاة مباشرةً ، اللغو ليس بالغيبة و النميمة والكذب فأولئك نعلم بحرمانيتهم ولكن اللغو عندما يكون حديثك عن فلان تزوج وفلان طلق ، ماذا استفدت …؟ فأنت تُضيع من وقتك فلو قلتَ :(لا إله إلا الله) لكن أفضل لك من الدنيا وما عليها ، وبالتالي فإن اللغو هو الكلام الفارغ الذي لا فائدة منه ولا قيمة له ، فرب العزة مشتاق لتركك المعاصي ، فلنرضي رب العالمين لإن رب العزة يحب أن نتوب ، ورد في حديث قدسي يقول فيه الله عزوجل : (للَّهُ أفرَحُ بتوبةِ التَّائبِ مِنَ الظَّمآنِ الواردِ ومنَ العقيمِ الوالِدِ ، ومنَ الضَّالِّ الواجدِ) ، ما معنى (العقيمِ الوالِدِ)…..؟ وهو الذي ليس لديه أولاد وقد بلغ أربعين من عمره ولم يُنجب طفلاً وقد احترق قلبه ، فجاء أحدهم وبشرهُ أن مرأته قد حملت فأصبح يرقص من شدة فرحه وهو غير مدرك لما يفعل ، ومعنى (الظَّمآنِ الواردِ) ، هو الرجل الذي كان مقطوع في الصحراء ونفدت المياه لديه وقد أصابه نشفان في الريق و يئسَ من الحياة وأصبح ينتظر الموت ، وإذ به يسير فرأى نبعة في الأرض مياها باردة وأصفى من الزلال ، فارتدت إليه الحياة لقوله تعالى :((وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)) ، فكم تكون فرحته بذلك…..؟ فرحته بالماء تكون كبيرة ولكن الله يفرح أكثر بتوبة التائب من هذا الظَّمآنِ الواردِ ، ومعنى (منَ الضَّالِّ الواجدِ) أي أن أحدهم أضاع أمواله وانقطع وليس هناك من يعطيه أجرة الطريق فجاء أحدهم وهو ينادي ويسأل من الذي أضاع جزدانه…؟ يأتي ليعطيني عليه علامة وأنا سوف أقوم برده إليه ، فيقوم صاحب الجزدان ويركض على الفور ليعطيه العلامة ويعيد الجزدان إليه ، فكم من الفرحة كانت لديه عندما اُعيد الجزدان إليه…؟ كانت كبيرة جداً لكن الله يكون أشدُ فرحاً بتوبة التائب من هذا الضال الواجد ، فعليك أن تُفرح رب العزة ، فإذا كنت من المحبين لله فعليك أن تفرحه بالتوبة النصوح ، قال سبحانه وتعالى :(يا داود لو يعلم المدبرون عني انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم لمحبتي يا داود هذه إرادتي بالمدبرين عني فكيف بالمقبلين علي) ، فإن الله يشتاق للعصاة أن يتركوا المعصية ويأتون إليه فكيف بمحبته لتائبين…؟ فالعصاة أحبهم من أجل أن يتوبوا إلي ، فما يكون ظنك في التائبين …؟ يكون حب الله لهم أكثر فأكثر ، يابُني سارعوا في التوبة كان أسلافنا يقولون :(عَجِّلُوا بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْفَوْتِ ، وَعَجِّلُوا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ) . هذه كانت أنشودتهم ، أما نحن فما هي أنشودتنا…؟ على دلعونة ، فعجِّلُوا بالصلاة قبل فوات الأوان وتصليها بآخر وقتها لفلفة وبسرعة ، وبالتوبةِ قبل الموت لإنه عندما يأتي الموت لم تعد تنفع التوبة لقوله تعالى :((حَتّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)) .ومن أجل أن لا أطيل عليكم ففي آخر هذه الآيات وصفهم الله عزوجل عندما يقولون : ((رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)) .ولكن الله لا يرد عليهم إلا بعد أربعين سنة ، هل تعلمون ماذا يأتيهم الرد من الله سبحانه وتعالى..؟ ((قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)) . فهذه الكلمة تكون عليهم أشد من عذاب نار جهنم ، لماذا كانت هذه عقوبتهم..؟ فاقرؤوا في سورة المؤمنون : ((قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ، إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ،إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ )) . أي عندما يسأل أحدهم صديقه إلى أين تريد الذهاب…؟ فيقول له اُريد الذهاب للشيخ فهو يأخذه بالسخرية والضحك والاستهزاء ، أي أنكم كنتم تستهزئون بهم فأثابهم الله بما صبروا على الأذى والمحن والذكر والصحبة في الحياة الدنيا ، كم يساوي هذا الجزاء…؟ جعلنا الله وإياكم من الفائزين ، لذلك سارعوا إلى الصلاة قبل الفوت والتوبة قبل الموت فهذه يجب أن تكون أنشودتنا لا تتركوها ، فالقصد هنا (يا داود، هذه رغبتي في المدبِرين عني فكيف إرادتي بالمقبلين علي…؟) أي أن الله مهتم و مشتاق للعصاة ويريدهم أن يأتوا إليه ، فكيف بمحبتي لهؤلاء التائبين وإرادتي لهم ، فيابُني عندما تتوب إلى الله يصبح لك المكانة العالية عند الله وكأنك ادم زمانك لا يوجد على وجه الأرض غيرك ، لك العناية ولك الرعاية من الله جل جلاله ويكرمك كما أكرم الله سيدنا موسى عليه السلام عندما قال له :((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) .هكذا الله يكرم كل مؤمن تائب استجاب لمناداة الله بقوله سبحانه وتعالى :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا)) . والله ينادينا ، ماذا تريد منا يالله…؟ اُريد منكم التوبة النصوح ، سمعنا وأطعنا ، ولا نكون ممن سمعنا وتركنها في الجامع فأصبحت حجةً علينا ، فإن فرحة الله سبحانه وتعالى في توبة التائب كرجلاً مسافر على فرسه و وضع زادهُ وأمواله على راحلته وفي الطريق رأى شجرة لها ظل جميل فجلس ليرتاح تحت الشجرة فنزل من الفرس وهربت منه الفرس فأصبح يركض خلفها ولكنه لم يستطع اللحاق بها وعندما هربت منه أيقنَ بالهلاك ، فرجع وجلس تحت ظل الشجرة لينام حتى الموت لإنه لا يوجد له وسيلة للنجاة فنام على درعه وعندما استيقظ رأى الفرس من فوق رأسه فقام على الفور ليأخذ برسنها أي بلِجَامِهَا لكي لا تتمكن من الهروب ثانيةً ومن شدة فرحته العظيمة فأراد أن يشكر رب العزة ، فقال 🙁 اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) النبي قال 🙁 أخطأ من شدة الفرح ) ، لله أشد فرحًا بتوبة التائب من الضِّال الواجدِ الذي أضاع راحلته ورجعت إليه فمن منكم الآن يريد أن يُفّرح رب العزة ببرقية بينه وبين الله…؟ لا أحد يعلم بها غيره سبحانه وتعالى لقوله تعالى : ((يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)) . عليك بإرسال برقية إلى الله لإنه لا يوجد لدنيا نقص ولا عشرين نقص فلدنيا آلاف النقائص و يجب علينا أن نتوب منها وأنا أَوَّلَكُمْ ولِنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوب علينا التوبة النصوح ، علينا أيضاً أن نخلص بتوبتنا لعل الله سبحانه وتعالى يجعلنا من التائبين المستقيمين ، فتلك هي الفرحة الكبرى لله سبحانه وتعالى عندما يفرح بتوبتنا إليه ، فهو الذي يفرح بتوبة التائب ، كان رجل في بدايته كمثلكم بعث الله له من يدّلهُ على العالم الرباني فارتبطوا به وذّكروا معه وأحبوا في الله ، عاش عشرين سنة بالذّكر والصحبة والأحباب ومجالسة العلماء ، وكانت حياته من أروع ما يكون ، فالتفوا حوله الزعران ولعبوا عليه بقولهم علينا أن نوّسع التجارة و نعمل مصنع ونعمل كذا وكذا ، فلم يعد يتفرغ لمجالس العلم و سارا خلفهم عشرين سنة وعندما أصبح عمره في الأربعين ، فالعشرين الأولى من عمره بعد البلوغ مضت بالصلاح والعشرين الثانية في الطمع والجشع والدنيا والمعاصي ، فجاء يوم من الأيام على بيته مساءً من السهرات التي لا فائدة منها وغسل وجهه و وقف على المرآة ونظر ورأى الشيب في زوالفه ، وهو أول ما يشيب من الرجل ، فكان مثله كمثل السائق عندما يرى الإشارة حمراء أي عند رؤيته للشيب فدل ذلك على أنه اقترب من القبر ، فاسترجع أيام الهناء والسرور والمجالس وتذكر عند زلّت قدماه مع اصحاب السوء فأصبح يبكي وهو على المرآة ويناجي ربه قائلاً :(اللهم أطعتك عشرين سنه … ثم عصيتك عشرين سنه….فإن رجعت إليك أتقبلني….؟) ، وسالت الدمعة من عيناه وذهب إلى فراشه لينام ، فيرى رب العزة في منامه جل جلاله وهو أرحم الراحمين الذي لا يخفى عليه شيء ، واللهِ يا بُني عندما تُحدثك نفسك بكلمة واحدة فإن الله يسمعها ويعلمها فإنه سبحانه وتعالى يَرى النّملة السَوداء في اللّيلةِ الظلمَاء على الصّخرةِ الصمّاء و يَسمَعُ دَبيب مشيها أي أنه يراها ويسمعُ دبيب سيرها وهي على صخرةٍ ملساء والدنيا مظلمة ، فالقصد هنا عندما حكى مع المرآة وناجى ربه فحاشى وكلا أن يخفى على عليه شيء ، فرأى في منامه رب العزة يقوله له : (عبدي، أطعتنا فقربناك, وعصيتنا فأمهلناك ، ولو عُدتَ إلينا بعد ذلك قبلناك….قبلناك….قبلناك… ) .فقام وفزع من نومه من شدة فرحه و رمى الغطاء عنه و ذهب مباشرةً إلى الماء فتوضأ وذهب إلى المسجد قبل آذان الفجر بساعة وجلس على باب المسجد ينتظر حتى يُفتح له الباب ، فيا إخواننا الصلحة بلمحة ، فلنكن من الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، فكل واحد منا يعلم من أي ناحية مقصر و من أي ناحية مُذنب وكل ابن آدم خطاء ، والذي يقول أنا ليس لدي الذنوب هذا جاهل ومثله كمثل الذي يرى القشة بعين رفيقه ولا يرى الخشبة الذي طولها ما يقارب الستة أمتار في عينه لقول النبي ﷺ : (يُبْصِرُ أحَدُكُمُ الْقَذَاةَ في عَيْنِ أخِيهِ، وَيَنْسَى الْجِذْعَ فِي عَيْنهِ ) .والمقصود في الجِذعَ هنا أي الخشبة الكبيرة ، ما رأيكم….؟ إن شاء الله لا يكون أحد منكم من المدخنين والذي يدخن نريد منه أن يتوب لإن الذّكر والدخان لا يجتمعان ، الذّكر و الأركيلة لا يَلْتَقِيَانِ ، الذّكر والكذب لا يجتمعان أيضاً فيصبح الذّكر ثقيل عليه ، فعليك أن تتخلص من كل النقائص ، وكلما تخلصت من النقائص وتطّهرتَ كلما أصبح الذّكر عليك هيّن وله لَذَّة وسعادة ، كيف بك عندما تأكل من الطعام اللذيذ و تترنم به…؟!! وأيضاً عندما تشرب الماء المُحلى بالعسل المُصفى وتتلذذ به ، نرجو من الله سبحانه أن يجعلنا من الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ هُدَاةً مَهْديين غَيْرَ ضَالِّينَ وَلاَ مُضِلِّينَ.

(Visited 1 times, 1 visits today)

About The Author

You Might Be Interested In

LEAVE YOUR COMMENT

%d bloggers like this: