سيدنا موسى عليه السلام الجزء 5-الحلقة 27

سيدنا موسى عليه السلام الجزء 5-الحلقة 27
استفتح سماحة الشيخ محمود المبارك : مازلنا في مدرسة الأنبياء والمرسلين الذين قال فيهم الله عزوجل :((أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)).
ولنتمم في مدرسة سيدنا موسى عليه السلام عندما تَبِعَهُ فرعون فرأى البحر أمامه أي أن البحر أمامه والعدو من وراءه، هنا جاءت نجدة الله سبحانه وتعالى للمؤمنين لإن الله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن المؤمن إذا مَرّ بضيق، فأمره ربه جَلَّ شأنه عندما قالوا بني إسرائيل لسيدنا موسى إنا فرعون مُدّركونا بقوله تعالى: (( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ )).
أي سوف يلحق بنا فرعون وجنوده وإذا لحق بنا سوف يقطع أجسادنا إلى أشلاء كالفُتات ويعذبنا أشد العذاب فقال لهم سيدنا موسى عليه السلام كما أخبرنا القرآن:((قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)).
فلا يستطيع أن يلحق بنا فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى سيدنا موسى أن يضرب بعصاه ،فما هو السرّ في هذه العصا، فمرةً تصبح حيّة لتبتلع فرعون ومرةً أخرى يضرب بها الماء في البحر فَتُشق الطرقات فالله أعلم أين يجعل سره وهدايته لقوله تعالى :((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)).
فالقصد بعدما انشق البحر وخرج سيدنا موسى عليه السلام والمؤمنين فإن الله أمره بقوله تعالى:((وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ)).أي لا تضرب البحر ليرجع الماء كما كان خشية أن يلحق بك فرعون ، دعهُ يتبعك فأنا أعلم ما لا تعلمه أنت ، فقال سيدنا موسى سمعاً وطاعةً يارب كما أمرتني أضرب البحر وأيضاً تأمرني أن أتركه ، فترك سيدنا موسى عليه السلام البحر ،ففرعون من كثرة ما يملك من الخباثة عرف أنه سيُغرق هو وجنوده فلم يدخل و وقف على الشاطئ على الرغم من أن الطرقات كانت مفتوحة أمامه ليلحق بسيدنا موسى عليه السلام ومن معه، فأرسل الله سيدنا جبريل عليه السلام على فرس حائل، والفرس الحائل هي الفرس التي تطلب الزواج ، فعندما مَرَّ فرس سيدنا جبريل عليه السلام من أمام حصان فرعون الذي كان أيضاً حائل(طالب الزواج) وأشتم رائحتها فلم يستطيع فرعون أن يملكه فلحق فرس فرعون بفرس سيدنا جبريل عليه السلام، فدخل القائد ودخلت الجنود خلفه في هذه الطرقات التي شُقَتْ للمؤمنين ببركة سيدنا موسى عليه السلام ،فعندما أصبحوا في وسط البحر رجع البحر كما كان أمواجه تتلاطم ، إلى الآن تسمى بركة فرعون، كان الحجاج لما يمرّون فيها من كثرة ما فيها من أمواج وخوف أكثرهم كان يتقيأ من شدّة الدواخن والمواقف الحرجة حتى إلى يومنا هذا ، فالقصد الغضب نزل بهم كما نزل بقوم سيدنا لوط عليه السلام في البحر الميت وقوم سيدنا صالح عليه السلام أيضاً، عندما أمرهم النبي ﷺ لا يدخلوا الإ باكين، فعندما خرجوا بني إسرائيل من البحر ماذا حصل معهم بعد ذلك….؟ يخبرنا الله في قرآنه الكريم بقوله:((وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ)). فعندما رأوا الناس يعبدون الأصنام مباشرة قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فطفق غضباً منهم نبي الله موسى عليه السلام وقال لهم ألم ينجيكم الله من فرعون في البحر…؟ أليس من الواجب عليكم أن تشكروا الله وتعبدوه هو الذي نجاكم من فرعون الظالم الذي كان يُذبّح أبناءكم ويستحيّ نساءكم وكنتم مضطهدين من قِبَل فرعون وجنوده، فقال لهم سيدنا موسى :((إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون)).ليس لديكم علم، أنتم جهّال كيف تريدون أن تعكفوا إلى عبادة الأصنام بعد أن منَّ الله عليكم ونجاكم من عدوكم وقال لهم :((أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)).
اعطاكم منزلة وجعلكم مفضلين على عالمين زمانكم أي كنتم بزمن سيدنا موسى عليه السلام مفضلين على كل أهل زمانكم، وبدأ يُذّكرهم بنعم الله فقال لهم: ((وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)).
وبعدها جاءت الحفلة الثانية التي هي موضوع بحثنا حيث أخبرنا بها القرآن الكريم: ((وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)). أي لا تمشي وراء كل مفسد ولو أعطاك رأيهُ، فلا تتبعه، جلعت لك الخلافة من بعدي سوف تستلم مكاني وتدير شؤون الأمة وأنا لي موعد عند ربي ثلاثين ليلة، فما هذه الثلاثين ليلة أليس من المفروض أن نفهمها …؟ فقط نريد أن نفهم من ديننا كيف نتعلم أحكام الوضوء والاستنجاء وغيرها من أحكام الطهارة …. فالنبي اختلى بغار حراء أليس من واجبنا أن نفهم هذه المدرسة…؟ أيها هل الدّاعي إن لم تكن لك هذه المدرسة فأنت فاشل، علمك لا يصل الإ إلى مسامع الآذان، نحتاج إلى الدّاعي الذي يخرج كلامه من القلب فيصل إلى القلب، لإنه ما خرج من القلب يصل إلى القلوب وما خرج من اللسان لا يتجوز الآذان، لذلك نرى الخطباء رضي الله عنهم ويجزيهم عنا كل خير، يخطب أكثر من مئةِ خطبة ولا نرى أحدهم ترك الدخان…؟ و لا نرى أحدهم ترك الكذب…؟ لإنهم لم ينتفعوا بما سمعوا، حتى لو أخذ العلم منك لن ينتفع به، فعليك أن تفهمهُ كيف يأخذ الدواء، وهذه تحتاج إلى دورة ، فسيد الخلق رسول الله ﷺ خضع لهذه الدورة بجبل يُدعى جبل النور كان يختلي به ، كما أن جده عبد المطلب كان يختلي بهذا المكان أيضاً فسيدنا محمد ﷺ لم يخرج إلى هذا الجبل عشوائياً بل كان يوجد له أصل بخروج جده قبله ،وأيضاً إذا كنت لا تريد أن تقتدي بهم فالسيدة مريم رضي الله عنها كان تختلي كما أخبرنا القرآن الكريم :((وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيّاً)). أي تركت أهلها وذهبت إلى المعبد الذي اختاره لها سيدنا زكريا عليه السلام المشرف على تربيتها لإن الله جعل سيدنا زكريا عليه السلام هو من تَكَفّل بتربيتها لقوله تعالى:((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيّاَ)).ما معنى كلمة انتبذت …؟ عندما تأكل حبة العنب وبعدها تنبذ البذرة ، أي ابتعدت إلى مكان اختلت فيه وأشرف عليها المدّرب والمرّبي، فكان عمرها ما يقارب احدى عشر عاماً فكانت ترى الملائكة وكان يدخل عليها سيدنا زكريا عليه السلام فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء لقوله تعالى:((كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّاَ الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)). فلم تقل أنا أستحق ذلك وإن الله يجب أن يتفضل عليّ، فسيدنا زكريا عليه السلام كان يغلق عليها الباب خوفاً عليها وينزع السلّم لإنها كانت تختلي في غرفةٍ علوية ، هذه المدرسة التي افتقدنها في زمننا هذا وفقدنا معها روح ديننا ، فأصبح ديننا أجسام من غير أرواح ، وأشباح بلا أرواح، لذلك أصبحنا نقول هذه بدعة … وأنت فاجر وأنت كافر، فلذلك وصلنا إلى هذا البلاء، لإنه أصبح ديننا أشباح بلا أرواح، الروح عندما تكون موجودة بالدّاعي فيكون الدّاعي يملك الذوق الحكمة واللطافة والهيّونة والليّونة فالنبي وصف المؤمن وليس فقط الدّاعي قال:(المؤمنون هيِّنون ليِّنون، مثل الجَملِ الأَنِفِ الذي إن قِيدَ انقاد، وإن سِيقَ انساقَ، وإن أَنَخْتَه على صخرةٍ اسْتناخ). فترى المسلم في يومنا هذا يتخلق بالفظاظة والغلظة لا يفهم من الدين غير طول الذقن واللحية فليس الإسلام بالذقن يا بُني أبو جهل كان يملك اللحية الطويلة ولكن كانت نهايته بذهاب رأسه بين أرجل الخيول وما ادراك ما الخيول….!!! فليس كل المسلمون كذلك نسأل الله السلامة.
فالقصد هنا هذه المدرسة الكثير منا قد افتقدها…. فما رأيكم بعد صيام ثلاثين يوماً من رمضان أن نكملها ولكن ليست بالصيام لإنه يبطل الصيام لوجود العيد، بعد الأيام العيد يمكنك أن تودع وأقل العيد ثلاثة الأيام ولا تأخذوا بأولئك الذين يكفرون الناس ويدّعون أن العيد فقط أول يوم ويجب علينا الصيام في الثاني والثالث، فلا تصغوا على هكذا جاهل، إذا أردت أن تناقشه ترى نفسك تناقش صخرة لا بل الصخرة يمكن أن تليّن لقوله تعالى :((إنَّ منَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)). نسأل الله السلامة، فهؤلاء ليس فيهم الخير والنفع للمسلمين، فلنكمل طاعتنا بعد رمضان بكثرة الأذكار والتهجد والصدقات وتلاوة القرآن،
فالقصد في الآية :((وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)). أي أنه خضع سيدنا موسى عليه السلام لهذه الدورة ثلاثين يوماً خلوة بجبل الطور وأتممها ربنا بعشر لإنه لم ينضج بعد، ويقال لإنه استخدم السواك بعد الثلاثين يوماً ، فالله أمره أن يُكمل الخلوة إلى أربعين يوماً لحكمة الإلهية ،والنبي بشرنا وقال :(من أخلص الله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه). من بعد ذلك تراه ينطق بالحكمة ويعطي الدواء المناسب لكل شخص وتصبح كلمته كالعسل المصفى كل الموفقين يحبون كلامه الإ الشياطين وأتباعهم يأخذون كلامه بالسخرية ولا يسمعون لكلامه وتعجبهم قنوات الرقص وغيرها من الفسوق، ومرء مع من أحب من الراقصات وغيرهم نسأل الله السلامة.
فالقصد علينا أن نلتزم بعد رمضان إن كان في صلاة قيام الليل لقول النبي ﷺ (لا بد من قياماً لو ركعة).وكنت تغض البصر في رمضان فلتغضض البصر بعد رمضان أيضاً، كنت لا تتكلم على الآخرين بالغيبة والنميمة فلا تتكلم أيضاً بعد رمضان فلتكن على هذا النهج أربعين يوماً وبعد أربعين يوماً ترى في قلبك لذّة ونتيجة الصوم الذي صمته في رمضان حتى لو فطرت بالعيد لكنك لم تُفطر عيناك على الحرام ولا أذنك على الغيبة ولا لسانك على الكذب والشّدة والدخان وأركيلة، كل ذلك اهجرهُ أربعين يوماً وأتمم دورتك على اعتبار أن رمضان جاء أربعين يوماً قدّر الله وماشاء فعل، فرض رمضان علينا أربعين يوماً، حتى لو فرض علينا رمضان شهرين نحنا سوف نلتزم بالسمع والطاعة ولكن أرحم الراحمين يعلم بما في نفوسنا،
فالقصد لنكمل العمل والدورة مثل سيدنا موسى عليه السلام أربعين يوماً أو حتى مثل سيدنا محمد ﷺ الذي كان يأخذ التمر والقليل من الماء ويخرج إلى جبل النور، والصعود إلى الجبل ما يقارب الساعة إذا كنت صاحب همة، فمرةً منَّ الله علينا وشرفنا للخروج إلى الجبل استرحنا ثلاث مرات من كثرة المشقة في الصعود، فكان الطريق وعر وليس فيها طرقات مستوية، والغار صخرة ترتكز على صخرة والنبي ﷺ كان يجلس بين الصخرتين، ولا يخف من الوحوش والذئاب وغيره، فيا بُني عندما تكن مع الله يجعل في قلبك الطمأنينة ، مثل أمُنا هاجر عندما تركها سيدنا ابراهيم عليه السلام بوادي غير ذي ذرع فيه من المهالك والحيايا والوحوش والحّر ولكن عندما تكون مع الله يقول الله:((قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا )).أيضاً يا وادي غير ذي ذرع كنّ برداً وسلاما على امُنا هاجر وأصبح الوادي سلام وسعادة، وأيضاً جبل النور جعله برداً وسلاماً وأيضاً الطور، فيا بُني لتكمل الأربعين يوماً وأنت يا بُنيتي لتكملي الأربعين يوماً أيضاً، والموفق كل عمره صائم عن الكذب والنظر الحرام والغيبة وعندما نصوم عن النقائص نحن المنتفعين أم الله….؟ فبطاعتنا لله السموات السبع لا تصبح ثمانية …. وإذا عصيناه لا يصبح عدد السموات ستة.
كما يقول في الحديث القدسي:((إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ)). فتابع سماحة الشيخ محمود المبارك أن :الذي أضاع البوصلة أصبح يمشي يوم بشرق ويوم في الغرب ويوم في الشمال ويوماً آخر في الجنوب وينتهي العمر وهو ضائع، وما أكثر الناس عندما يأتيهم سيدنا عزرائيل عليه السلام ليقبض أرواحهم وهو ما زال ضائع عن دينه ويستحي أن يبحث عنه، أما على دنياه ومصلحته فيسرع للبحث عليها بهمة فعندما يريد أن يشتري سيارة يبحث في الأسواق وفي كل سيارات ليصل إلى طلبه او عندما يريد شراء محل تجاري يأخذ باستشارة المحامين فتراه في أمور الدنيا يمتلك الشطارة والهمة العالية وانظر إلى دينه كمثل الذين قال فيهم الله عزوجل: ((صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)).ويقول ليس هناك داعي للدين وما هو الدين..؟ يكتفي بصلاته ويمكن أن تكون صلاته سوف تهوي به إلى نار جهنم لقوله تعالى:((فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)).
لإنه غافل عن حقيقة الصلاة وحقيقة حضورها أن يكون مع الله ، فترى المحب عندما يُذّكر اسم محبوبته ليلى أو يقرأ اسمها فيأتي إلى خاطره الحب ويبدأ برسم الخيالات والأحلام معها إذا كان صادقاً في حبه، فبمجرد ذكر اسم خطيبته أمامه يتذكرها ويتذكر حديثها وماذا قدم لها من الهدايا وماذا قدمت له هي أيضاً من هدايا وينتظر اللقاء كل هذا يتذكره بمجرد قراءة الاسم فقط ، فعندما نقرأ اسم (الله) فهل نتذكر عطاء الله وكرم الله ونعم الله ولطف الله فينا..؟ الشمس التي تضيء لنا والقمر الذي يجعل لنا الرزمانة والأرض التي تحملنا وثباتها بالأوتاد التي توجد عليها لقوله تعالى:((وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا)). وجعل الأنهار والهواء والأوكسجين غيرها من النعم ما هذا الفضل الإلهي أليس من المفروض عندما تلفظ اسم (الله) تشعر بأنك مَدين لهذا الإله العظيم وأنك الفقير وهو الذي خلقك من ماء ضعيف لقوله تعالى:((مَّاءٍ مَّهِينٍ)).
فعندما تدرس السموات السبع وعِظم الخالق وعِظم الخلق وتتعرف على عظمة هذا الخالق فترى نفسك أنت والأرض التي تحملك عبارة عن ذرة هباء، هذه الشمس التي تراها أكبر من أرضنا بمليون ومئتين مرة وهي تعتبر بالنسبة للشموس الآخرى كما أخبرنا الفلكيين وعلماء الجيولوجيا أنه يوجد أكثر من مليار شمس وهذه الشمس التي نراها في الدنيا تمثل عود كبريت بالنسبة للشموس الآخرى لإنهم ينظرون في الميكروسكوبات التي تمتلك مساحات كبيرة جداً ليكتشفوا بها المجرات والسدم ، وترى ما في السماء من خلق فترى نفسك أنت والأرض التي أنت عليها غبار صغير كالذرة الصغيرة ومع هذا كله عندما تكون مؤمن فأنت خليفة الله على الأرض وكل هذه الشموس وهذه الأقمار ومع ذلك أنت خليفة الله في أرضه لكن عليك أن تلتزم بهذه المدرسة حتى يحيا بها قلبك لقوله تعالى:(( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)).وليس المقصود هنا بالقلب اللحم الصنوبري فهذا القلب موجود بالطيور والأسماك والبقر وجميع الحيوانات وبكل المخلوقات ، القلب الذي عندما تنام يخرج منك و يترك خلفه المناوب من من أجل صفاء الرئتين في الدم ، والله أعلم إلى أين تذهب هذه الروح..!! وعندما يأتي القلب ويدخل إلى جسدك فترى نفسك قد استيقظت، أي قلبك هي روحك يا بُني عندما تتلوث هذه الروح وتصبح معينة لشياطين، عليك أن تحافظ على نقاء روحك لقول النبيﷺ:( إنَّ القُلُوبَ تَصدَأُ كَما يَصدَأُ الحَدِيدُ، وإنَّ لجِلاؤُها كَثرَةُ ذِكرِ الله وتلاوة القرآن).ولكن يجب أن يكون لك من يشرف عليك وليس لوحدك، فعندما تدرس الطب لا ينفع أن تأتي بكتب الطب وتحفظها على الغائب من غير التزام مع من يعلمك، أيضاً عندما تريد أن تتعلم السباحة لا ترمي جسدك في وسط البحر فسوف يؤدي ذلك إلى الهلاك والغرق فعليك أن تخضع لمن يعلمك السباحة على الشاطئ لفترة من الزمن أولاً،
إذاً بعدما جاء سيدنا موسى عليه السلام لميقات ربه ليخضع إلى الدورة ثلاثين يوماً و قد أشار في ذلك سماحة الشيخ محمود المبارك : وفي ذلك حكمة الإلهية، كبعض الأطباء عندما يأتي إليه مريض ويوجد معه مرض الديسك في ظهره ولعالج المرض يجب على المريض أن ينام على ظهره أربعين يوماً فالطبيب الماهر لا يقول للمريض عليك أن تنام أربعين يوماً فإن ذلك سيكون مستحيل ولكن يقول له عليك في البداية تنام عشرة الأيام وبعد عشرة الأيام يأتي المريض إلى الطبيب ويقول له الطبيب صحتك جيدة ولكن عليك أن تنام عشرة الأيام آخرى فيرجع المريض وينام وهو بكامل مسرور وهكذا حتى يصل معه إلى مرحلة الشفاء الكامل ،فطبيب جاء المريض بالتسلسل لنأخذ حكمة من ذلك مع العلم أن رب العزة لو أمر أن يخضع سيدنا موسى عليه السلام ثلاثة أشهر لالتزم سيدنا موسى بأمر وقال سمعاً وطاعةً يارب ، ووضع أخاه هارون يخلف سيدنا موسى من بعده وذهب للقاء ربه فلما جاء لميقات ربه كلمه ربه كلاماً يليق بجلاله فسيدنا موسى عليه السلام أغتنم الفرصة عندما كلمه ربه وطلب من ربه النظر إلى وجهه الكريم فقال كما أخبرنا القرآن الكريم:((
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)).فعندما تنظر إلى الأوكسجين عند لحام الحديد فلا تسطيع النوم في تلك الليلة لدخول طاقة نورانية إلى عيناك أكثر من استيعابك فلذلك لا تستطيع النوم.
فقال تعالى:((قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ، قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً)).فقال رب العزة سوف أتجلى إلى الجبل فإن بقي الجبل في مكانه فسوف تنظر إلي ، وما معنى دكا…؟ هي القليل من الصفوة عندما تأتي بمنفاخ وتنفخ عليها تتطاير في هواء هباءً منثورا ، أي أنه عندما تجلى رب العزة إلى الجبل وانفجر وأصبح غبار في الفضاء من شدة الانفجار وعندها سيدنا موسى وقع مغمياً عليه كما قال الله تعالى في كتابه العزيز:((وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا)).هل تعلم القدر الذي تجلى به رب العزة على الجبل…؟ قالوا العلماء تجلى ربنا على الجبل بِقدرِ خرم الإبرة أي المكان الذي يدخل منه الخيط في الإبرة، بهذا الحجم والجبل جُعلَ دكا، فكيف لو تجلى ربنا على الأرض…؟ ما الذي سوف يحصل بالأرض…؟ ولكن الله يتلطف بنا ..!!!!وأُغمي على سيدنا موسى عليه السلام حتى أراد الله له فاستيقظ ، لذلك النبي عندما وصف لنا الصعقة كما جاء في القرآن الكريم((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ)).فيقول النبي ﷺ:( عندما استيقظ من الصعقة، أولاً نظرت إلى أخي موسى عليه السلام فرأيتهُ مستيقظ لا أدري هل يا تُرى أخي موسى عليه السلام استيقظ من الصعقة أم أن الله فداه بالصعقة الأولى التي هي صعقة الجبل…؟).وبعد أن أغمي على سيدنا موسى عليه السلام قال تعالى:((فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)).أي ما كنت أعلم بذلك ….فأنا أول المؤمنين، ما أنت مؤمن من قبل ….!!! قال لا…لا…أنا تجاوزت الحد وقلت أرني أنظر إليك وعندما رأيت هكذا أمنتُ أننا لا نستطيع أن نراك بأجسادنا في دنينا ولكن بعد الموت نستطيع أن نرى رب العالمين، لذلك سيدنا ابراهيم عليه السلام عندما جاء إليه ملك الموت فقال له سيدنا ابراهيم :(كيف تأتيني من غير إنذار….؟).فقال له ملك الموت:( الله بعث لك العديد من الإنذارات وأخذ يعددها له، فقال له:( أولاً أسنانك كانوا مثل التصوينة فانظر إليهم الآن هذا مقلوع وهذا منخور وهذا وهذا… ثانياً كنت ترى المسافات البعيدة والآن لا تستطيع ،كنت تسمع والآن خف سمعك… وثالثاً كنت تمشي من غير عكازة والآن أصبحت لا تستطيع أن تمشي من غير عكازة…. ورابعاً شعرك الأسود أصبح لونه أبيض…. وظهرك في شبابك لم يكن محني والآن أصبح محني، ماذا تنتظر أكثر من هذه الإشارات …؟).فعندما ترى الإشارة حمراء تمشي أم تقف…؟ فعندما ذكر له ملك الموت كل هذه الأدلة والإنذارات الكثيرة رأى سيدنا ابراهيم عليه السلام أنه اقترب من الموت وملك الموت أحاط به من كل جانب قال سيدنا ابراهيم عليه السلام:(كيف الخليل يقبض روح خليله…؟ هذا شيء عجيب) فقال ملك الموت:( بل هناك الأعجب) فقال سيدنا ابراهيم السلام:(ما هو الأعجب) فقال ملك الموت:(كيف الخليل يكره لقاء خليله) فقال سيدنا ابراهيم:(أفي الموت لقاء…؟). قال له ملك الموت:(نعم مباشرة يكون اللقاء مع حضرة الله سبحانه وتعالى) فقال سيدنا ابراهيم عليه السلام (إذن اقبض ولا تقف اريد الذهاب إلى حبيبي وخليلي). كم فيها من اللذّة عندما تذهب إلى حبيبك بعد الموت ويكون راضياً عنك…؟ بينما تذهب إليه وأنت غافل عنه وترتكب المحرمات والمعاصي فسوف يعاقبك أشد العقاب وينسلخ جلدك وتصبح عبرة لغيرك …!! أليس من الواجب علينا أن نشدَّ الهمة في رمضان وغير رمضان ونرفع العشرة ونحن مقبلين على الطاعة…؟
وعندما استيقظ سيدنا موسى عليه السلام قال له ربه(( يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ)).
و قد اختتم سماحة الشيخ محمود المبارك : ولدينا بحثٌ آخر في قصة سيدنا موسى مع السامري وكيف رأى سيدنا جبريل عليه السلام وكيف تربى وكيف صنع لهم العجل لنتعلم من مدارس الأنبياء والرسل ما يجعلنا أن نلتقي بهم ونقتدي بهم ونسير على نهجهم وآثراهم لنكونا هدىً ورحمةً للعالمين لقوله تعالى :((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)). فكل الأنبياء رحمة وكل من يقتدي بهم رحمة ، ويُعلم الرحمة ويزرع الإخاء والمحبة بين الناس

(Visited 1 times, 1 visits today)

About The Author

You Might Be Interested In

LEAVE YOUR COMMENT

%d bloggers like this: