ابن آدم اطلبني تجدني

الحمد لله ربّ العالمين وأفضل الصلاة وأتمُّ التّسليم على سيدنا محّمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهمَّ إنّا نسألك من فضلك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً ودعاءً مستجاباً وشفاءً من كل داء ، أمّا بعد : ذكر لنا النبّي ﷺ فيما يرويه لنا عن ربه في الحديث القدسي (( أنّ الله يقول : ابن آدم اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كلَّ شيء ، وإن فُتّك فاتك كلُّ شيء ، وأنا أحبُّ إليك من كلّ شيء)) العاقل هو الذي يبحث عن مرضاة ربّه ، فالله تعالى هو الغنيُّ عن العالمين ، وإذا طلبنا رضاه فهذا سعادةٌ للخلق .
كيف تنال رضاء الله تعالى …؟؟
في امتثال أمره واجتناب نهيّه بتمام الاقتداء برسول الله ﷺ لقوله تعالى : ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) تظهر المحبّة الكاملة على المحبّ بالاقتداء برسول الله ﷺ ، والالتزام مع أحبابه…. حيث قال الصلاة والسلام :(من أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع ربي ، ومن عصى أميري كأنّما عصى ربي ) نفهم من هذا الحديث : أنّك إذا خالفت الشرطيّ ، كأنّما خالفت الدَّولة ، وإذا أطعت الشرطيّ كأنّما أطعت الدَّولة ، فالموّفق هو من يلتزم الأدب مع شيخه ومع من يدلّه على الله حّتى تكتمل فضائله ، ثمّ بعد ذلك يقوم بدلالة النّاس على الله وعلى رسوله وأوليائه ، هذا هو شرف الإنسان ، فالكعبة حجرٌ عندما نُسِبَتْ إلى بيت الله كُرِّمت ، وكذلك ثوبها عندما انتسبَ إليها شُرِّف…
فما بالك الإنسان الذي خلقه الله ونفخ فيه من روحه ، و أسجد له ملائكته ، إذاً الإنسان مكرَّم ، قال تعالى : ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ )) إذاً أكرَّم الله الإنسان على جميع المخلوقات حتى على الملائكة ، والدليل على ذلك بأنّ الله أمر الملائكة بالسجود لآدم ، قال تعالى : ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)) كما علَّم الله بني آدم ، حيث قال : ((وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )) .
وكذلك في الحديث الشريف أنّ لله ملائكةٌ سيَّارة ، يبحثون عن مجالس العلم ومجالس الذكر فإذا وجد أحدهم نادى الملائكة : ( هلمُّوا إلى بعضكم ) .
عندما تتشرَّف بنسبك بأنّك من عباد الله فأنت إنساناً مقدَّساً عظيماً ، قال تعالى ((وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ)) فالله تعالى ينصرك في كلّ المواقف .
وردَّ في الحديث أنَّ الله تعالى قال : ((أحبُّ من عبادي ثلاث ، وحبّي لثلاثةٍ أشدّ ، أحبُّ الشّيخ التائب ، وحبّي للشّاب التائب أشدّ ، أحبُّ الغنيَّ المتصدِّق وحبّي للفقير لمتصدِّق أشدّ ، وأحبُّ الفقير المتواضع ، وحبّي للغنيّ المتواضع أشدّ ، وأبغض من عبادي ثلاث وبُغضي لثلاثةٍ أشدَّ ، أبغض الشّاب العاصي وبغضي للشيخ العاصي أشدّ ، وأبُغض الغنيّ المتكبر وبغضي للفقير المتكبر أشدّ ، وأبُغض الفقير المُقتر وبغضي للغنيّ المقتر أشدّ )) انظر أخي إلى نفسك من أيّ الفئات أنت…؟ الآن تستطيع أن تستنجد بأحدٍ ليساعدك وتنجو ، ولكن يوم القيامة لا مخرج هناك ، قال تعالى : ((يوم لا تنفعهم شفاعة الشّافعين )) ، تثبَّتْ من أعمالك ، لتصحح مسيرتك .
إذا كنت ممن أحبَّهم الله ، فاسعَ لتصبح ممن كانوا أشدّ حباً .
لذلك يجب أن نسعى إلى مرضاة الله كما علّمنا الله ورسول الله ﷺ ، وإلَّا نكن كالذي يمشي في الصحراء وهو لا يعلم الطريق ، فإذا وجد مرشداً تمسَّك به لئلا يتعرض للهلاك ، وأطاع أوامره و أعطاه العهد بعدم مخالفته،وكذلك النبي ﷺ والعلماء من بعده هم الدليل في ظلمات هذه الدنيا ، فعلينا اتباعهم وعدم مخالفة أوامرهم لنسعدَ في الدنيا والآخرة .
قال تعالى : ((وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى)) انظر إلى نفسك ، هل أنت ممن أطاعوا الداعي في الأولى والثانية…؟ أم ممن أطاعوه في الأولى فقط…؟!
قال تعالى : ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)) فالدّاعي ينقذك من حياة الضيق ويعلّمك حب ذكر الله ، وكيف يُفتح لك باب الرزق ، فيعطيك حياة السعادة والاطمئنان ، والزوجة الصالحة و الأولاد البررة ، فينظر الله إليك بعين عنايته لإنّك مطيع له ، قال تعالى : ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) فالدّاعي يساعدك لئلا تنشغل في الدنيا مهما فُتِحَت أمامك ، ولا تدخلها قلبك ، وإنّما دعها بين يديك ، فإذا دخلت قلبك ضيَّعتك ، كالذي يقود السيَّارة وهو مشلولٌ حتماً ستكون سبباً لهلاكه ، مثال على ذلك (ثعلبة) كان يُلَقَّب حمامة المسجد ، ولما فُتحت عليه الدنيا وأصبح غنياً ، أرسل إليه رسول الله ﷺ مَن يُحضر منه الزكاة عندما فُرِضّت ، فردَّ عليهم غاضباً ، وقال : ما هذا إلا دفع الجزية…! ولم يعطهم الزكاة ، قال تعالى : ((ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنَّ ونكوننَّ من الصَّالحين ، فلّما آتاهم من فضله بخلوا به فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه)) فالدَّاعي يوصلك الجنَّة في الدنيا والآخرة ،قال عليه الصّلاة والسَّلام : ((مكان سوط أحدكم في الجنَّة أفضل من الدنيا وما عليها)).
انتبهوا إذا فُتحت عليكم الدنيا لا تنسوا المعلم ، ولكن اجعل لقاء المعلم أغلى من صندوق ذّهب ، مثال سيدنا بلال الذي فضّل النبّي ﷺ ، لذلك خُلِّد ذكراه إلى يوم القيامة ، أمّا قريش فانشغلوا بالمال والأنعام ، فذهبوا وتلاشى ذكرهم وخسروا الدنيا والآخرة .
-لذلك الزموا الصحبة ، وحافظوا على مجالس العلم .
تمسَّك بذيل حرٍ إن ظَفِرتَ به فإن الحرّ في الدنيا قليلُ .
فمنهم من يتغيَّب عن مجالس العلم بحجة مشاغل ، ومنهم بحجة تسلية أهل بيته ، والذهاب مع زوجته وأسرته إلى النزهات ، لكنَّ الزوجة الموّفقة هي التي تشجِّع زوجها لحضور مجالس العلم ، ترفع همته لملازمة الشيخ المربيّ ، لتصنع من زوجها رجلاً مؤمناً تسعد معه ، وتحصِّل منه صلاح أمرها و إيمانها وراحتها في الدنيا والآخرة .
فليست الزوجة التي تمنع زوجها من الطبيب ، الذي سيداويه ، و تجعله رجلاً حيوانياً ، وبذلك تحصِّل عقاب الله ، ونتيجة عملها إمّا يطلقها أو يتزوّج عليها .
أسأل الله لي ولكم التوفيق ، و أن يجعلني وإيَّاكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، هداةً مهديين ، غير ضالين ولا مُضلين ، وسلامٌ على المرسلين
و الحمدلله ربِّ العالمين .

(Visited 1 times, 1 visits today)

About The Author

You Might Be Interested In

LEAVE YOUR COMMENT

%d bloggers like this: